السيد علي صدر الدين المدني ( ابن معصوم )

213

رحلة ابن معصوم المدني ( سلوة الغريب وأسوة الأريب )

بلينا جوى إن رام منّا تدلّلا * بلاء نفوس في هواه ولا نبلي وذكرت بقول السيد قدس سرّه ( برئنا من الاسلام ) حكاية لطيفة ذكرها الصلاح الصفدي في شرح الرسالة « 1 » قال : كان القاضي الخليجي عبد اللّه بن محمد « 2 » ابن أخت علّويه المغني تيّاها صلفا ، تقلّد القضاء للأمين ، وكان علّويه عدوّا له ، فجرت له قضية في بغداد فاستعفى من القضاء ، وسأل أن يتولّى بعض الكور البعيدة ، فولي قضاء دمشق ، أو حمص . ولما تولى المأمون الخلافة غناه يوما علّويه بشعر الخليجي وهو : برئت من الاسلام إن كان ذا الذي * أتاك به الواشون عنّي كما قالوا ولكنّهم لمّا رأوك غريّة * بهجري تواصوا بالنّميمة واحتالوا فقد صرت أذنا للوشاة سميعة * ينالون من عرضي ولو شئت ما نالوا فقال له المأمون من يقول هذا الشعر ؟ قال : قاضي دمشق ، فأمر المأمون بإحضاره ، فأشخص وجلس المأمون للشرب ، وأحضر علّويه ، ودعا بالقاضي فقال له : أنشدني الأبيات ، فقال يا أمير المؤمنين هذه ابيات قلتها منذ أربعين سنة وأنا صبيّ . والذي أكرمك بالخلافة وورّثك ميراث النبوّة ما قلت شعرا منذ أكثر من عشرين سنة إلّا في زهد أو عتاب صديق . فقال له : اجلس ، فجلس ، فناوله قدح نبيذ كان في يده ، فأرعد وبكى وأخذ القدح من يده وقال : واللّه يا أمير المؤمنين ما غيّرت الماء بشيء قط ممّا يختلف في تحليله ، فقال : لعلك تريد نبيذ التمر ، أو الزبيب فقال : واللّه يا أمير المؤمنين لا أعرف شيئا من ذلك . فأخذ المأمون القدح من يده وقال : أما واللّه لو شربت شيئا من هذا لضربت عنقك ، ولقد ظننت أنّك صادق في قولك كلّه ، ولكن لا يتولى لي القضاء رجل بدأ في قوله بالبراءة من الاسلام ، انصرف إلى منزلك ، وأمر علّويه فغيّر هذه الكلمة وجعل مكانها ( حرمت مكاني منك ) .

--> ( 1 ) يريد رسالة ابن زيدون . ( 2 ) ذكره صاحب الأغاني 11 / 318 وسماه محمد بن عبد اللّه الخلنجي ، وأورد الحكاية التي سيرويها المؤلف عن الصفدي .